أنت هنا: الرئيسيةمقالات الدكتور محمد الصوصألم الظهر المزمن.. تحدي هائل في العلاج

ألم الظهر المزمن.. تحدي هائل في العلاج

لم: د. محمد الصوص/استشاري جراحة العمود الفقري بالتداخل المحدود. يتعامل مع مرضى آلام الظهر المزمنة فئات مختلفة من المعالجين تشمل العلاج الطبيعي والتأهيل، الأطباء العامين، جراحي العظام والأعصاب، ناهيك عن أولئك المعالجين "الشعبيين" والدجالين والمشعوذين!
فأيهم الأقدر والأكفأ في تشخيص آلام الظهر وعلاجها؟

لا أتكلم هنا عن الانزلاق الغضروفي الذي يسبب آلاماً وخدراً في الساقين، فقد أسهبتُ في وصفه وعلاجه في مقالات سابقة. كما لا أتكلم عن آلام الظهر "الحادة" والتي تصيب - أو ستصيب!- معظمنا خلال فترة حياتنا. هذه الآلام تخف تدريجياً وتختفي خلال أيام أو أسابيع قليلة. لا يحتاج المريض هنا لأي أشعة وخصوصاً لصورة الرنين المغناطيسي التي كثيرا ما تظهر بعض التغيرات في الديسك والتي ليست لها علاقة بأية آلام ولكن نسبة الألم لهذه التغيرات يعزز من وسم المريض بتشخيص خاطئ وبداية دوامة لامنتهية من زيارات الأطباء والأدوية والعلاجات والأهم من هذا كله محاولة تصحيح التشخيص والتي تصبح شبه مستحيلة مع مرور الوقت.

المقصود هنا هو آلام الظهر "المزمنة" التي تتجاوز حاجز الثلاثة شهور، وهذا مرض حقيقي يختلف عن الألم الحاد والذي هو عرض بسيط.

السيد(س) والسيد (ص) صديقان بنفس العمر تقريبا (40 سنة)، ويتمتعان بصحة ممتازة، يصاب كلاهما بآلام ظهر شديدة تتشابه في مكانها وشدتها ولكن اختلفت استجابتهما للآلام بشكل جذري.

السيد (س) قرر أن آلامه سببها الجلوس الطويل وعدم ممارسة أي رياضة، أخذ بعض المسكنات البسيطة وبدأ يمشي يوميا لمدة نصف ساعة. تحسنت آلامه واختفت خلال أسبوعين. صديقه (ص) صرخ من شدة الألم. هرعت زوجته وأطفاله إليه. خلال ساعتين كان في قسم الطوارئ مع أشعة وأدوية مسكنة قوية عن طريق الوريد والعضل. أخذ إجازة لمدة أسبوع بقي خلالها في السرير يتناول مخزون صيدلية من المسكنات، لم تتحسن آلامه بعد أسبوع. استدعي الطبيب للمنزل وطلب صورة رنين مغناطيسي والتي أظهرت "ديسك" صغير بين الفقرتين الأخيرتين. نصح الطبيب بعلاج طبيعي وإبر يومياً. لم يتحسن صديقنا كثيرا فرأى استشاري عظام ثم أعصاب ثم عظام ، هذه القصة بدأت قبل عامين. (س) الآن مدير في شركته، ومازال يمارس الرياضة يوميا و(ص) أخذ موعدا مع د. م.ص لأنه سمع أنه طبيب "شاطر"! وهو الأخصائي رقم 12 الذي سيراه خلال العامين. (ص) مكتئب، يتألم يوميا، فقد عمله بسبب الإجازات المتكررة، وحتى علاقته بزوجته وأولاده، أضحت فاترة ومليئة بالمشاكل والصراخ لأن: "لا أحد، لا أحد في هذه الدنيا يفهم ويقدر أنه مريض بالديسك"!! هكذا يردد كل يوم ولكل من يسأله عن صحته.

ما سبب الفرق الجذري في استجابة وتعامل المريضين مع آلامهما؟

السبب هو فرق الاستعداد النفسي والاجتماعي في الاستجابة للألم. (س) تحسن لأنه قرر أن يجابه الألم و(ص) دمرت حياته بسبب استعداده لأنه يجعل الألم قضية حياته المحورية. المبالغة في شدة الألم، الذهاب للمستشفى فوراً، الراحة في السرير، والإجازة المرضية كل هذه دلالات على أن (ص) من البداية كان مهيأ لتصبح آلامه مزمنة وصورة الرنين لم تكن ضرورية أبداً. بل إن من طلبها لم يساعد (ص) أبدا بل أكد له مخاوفه وشخصه بدون وجه حق- على أنه عنده "ديسك" هذا الديسك الصغير بريء من آلام (ص) براءة الذئب من دم يوسف!!

في نهاية القصة (ص) في عيادة د. م،ص استمع له لمدة 45 دقيقة، ثم فحصه، ثم اطلع على 6 صور أشعة و4 صور رنين مغناطيسي، أصر (ص) أن يراها الطبيب كلها حتى يرى اذا تغير حجم الديسك الصغير!

بعد ساعة وكثير من الصبر واللباقة يبتسم د. م.ص وينظر لـ (ص) وزوجته المسكينة ويقول:" ليت عندي ساعة سحرية ترجع الزمن عامين حتى أكون أنا الذي رأيتك في الطوارئ". يتساءل (ص) وزوجته: "لماذا؟"..."حتى أقول لك أن كل الذي تعاني شد عضلي بسيط، سيختفي بإذن الله خلال أيام. لا تحتاج لأي صور أشعة. فقط بعض المسكنات العادية. ضروري جدا أن تمشي وتتحرك وحاول جهدك أن تذهب لعملك غداً. وحذار من عدم سماع نصائحي فقد يتحول الألم الى مزمن وعندها قد تكون النتائج كارثية".

من إذاً الأقدر والأكفأ في تشخيص آلام الظهر وعلاجها وتمييز المرضى مثل صديقنا (ص) قبل ان تتحول آلامهم الى مزمنة؟

هل لدى الجراح الوقت؟ هل لدى المعالج "الشعبي" المعرفة العلمية المتقدمة؟ هل لدى المعالج الطبيعي الإلمام بطرق علاج السلوك الإدراكي (CBT)؟ طرق علاج السلوك الإدراكي ثبت علميا فعاليتها في علاج آلام الظهر المزمنة وهي برامج متخصصة في العلاج تتطلب الكثير من الجهد والوقت والمعرفة. لا شك عندي أن تأهيل وتدريب المعالجين الطبيعيين في هذه البرامج هو الأسلوب الأمثل لمساعدة مرضى الألم المزمن.

إذا كانت الوقاية خيراً من العلاج، فإن تدارك ألم الظهر الحاد في الذين عندهم استعداد سلوكي ونفسي قبل أن يصبح مرضاً مزمناً، مثالٌ واضحٌ ودقيق.